كانت كل الأجواء ساحرة.. ذات ملمس مخملي ومناخ وردي حالم.. فجأة علت مشادة كلامية بين زوجين اكتست ملامحهما المودة كلاهما يطالب.. كلاهما يريد.. كلاهما يود.. كلاهما يتمنى..
هي: نعم أحبك لكنك دوما لا تفهمني.
هو: وأنا أحبك أكثر لكنك أيضاً لا تفهمينني..
تمتعض وترد: كيف لا أفهمك وأنت تقلل من شأني ..
هو: أرجوك لستِ ندا لي أنتِ امرأتي وأنا رجلكِ .. تحدثي معي بتعقل ..
لم أختركِ لأقلل من شأنكِ .. ولست مضطرا لذلك ..
هي: أنت لا رأي لك وشخصيتك ضعيفة.. تحب الجدال أكثر من الفعل..
يتنفس ويرد: على رسلكِ ..
هي: وهل تجدني خفيفة لكي تخاطبني هكذا..
هو: أنتِ أيضاً ترفضين أن تضعي حداً فاصلاً لكل ما يحصل.. وتتجاوزين الخطوط الحمراء بيننا..
ويستمر الجدال, ويتطور الحوار, ويكثر الكلام, وتزداد الحدة وكل منهما يظن أن هناك
معركة بدأت يريد داخلها أن ينتصر لنفسه وهما لا يدركان أن كليهما خاسر..
النتيجة.. قصة أخرى.. أبطالها متحابون لدرجة الجنون لكن الخلاف دائم بينهما
الخلاصة.. جدال دائم حتى خفتت شعلة الحب بينهما..
وسؤالي.. هل هو حب أم كره؟ ذاك الذي يأمرنا بنسيان أنفسنا, ومودتنا, وعلاقتنا, ومصلحتنا في حالات الاختلاف, أو في مواضع النقاش من أجل إثبات أمر ما؟ وجعل من لا ذنب لهم يبكون ويتأذون من تصرفاتنا؟
هل هو حب أم كره؟ ذاك الذي يجعلنا متنافرين طوال الوقت غير قادرين على إسعـاد بعـضنا, غير قادرين على احتواء اختلافاتنا, واستيعاب أفكارنا.. لماذا التحدي يسبق ظنوننا الطيبة بالآخرين.. أحبابنا.. أقربائنا.. أصدقائنا.. زملائنا.. رغـم أن هناك شيئا يخـفـق بداخـلنا؟
هل حب أم كره؟ ذاك الذي يعلمنا الهجوم على الآخر, الانتقام, الانتصار للنفس, الأنانية, وحب التملك, والتسلط, وعدم احترام الرأي الآخر وتفهمه؟
هل حب أم كره؟ ذاك الذي يعلمنا فنون التحفز, والتحيز, والتجسس, والصراخ, والأرق وأحياناً البكاء؟
هل حب أم كره؟ ذاك الذي يجعلنا نبكي بحرقة ونحزن بشدة حتى الكآبة على أمور لا تستحق؟
ألا تظنون أن كثيرا منّا أصبح يخاف من حب ومودة الآخرين حتى يرتاح؟ وقد يكتفي بالتفرج على الآخرين, أو يخترع علاقة جديدة ليس له مسمى ترضي تحفظه.. وتقربه بحذر..
كثير منا حين تذكر له كلمة «حـب» يجيب «أعوذ بالله» والأدهى أننا نصدق أن فلانا يكرهنا بكل سهولة, ولا نتقبل فكرة أن فلانا يحبنا في الله أو لأجل الخير أو للعشرة الطيبة أو للاحترام إلا حين يثبت ذلك؟!
إني أتوقع في الأيام المقبلة أن يهدي المتحابين لبعضهما.. وردة مودة ومعها بطاقة مكتوب عليها:-
أكرهك جداً .. إذا لم تثبت لي مودتك!!..
أخيرا.. كم من العلاقات الطيبة زواج .. صداقة .. زمالة .. أخوة.. فشلت بسبب ضيق أفقنا, وضعف تحملنا, وسوء فهمنا, وحِدةِ ردة فعلنا, ومحاولة الانتصار لذواتنا.. كم من تلك العلاقات تبدلت إلى علاقات أخرى غير محببة, وكره, وظلم, وتحد والنتيجة الخسارة الدائمة.. فلتكن لنا طقوس أخرى مرجعيتنا فيها الدين القويم, واحتساب الأجر, وسعة الأفق, ورحابة الصدر, والفهم الراشد لحقوقنا وواجباتنا تجاه الآخرين في كل علاقاتنا...